Connect with us

مدونة آسو

خطاب الكراهية وأبعاده المؤثرة على الفرد والمجتمع

نشر

قبل

-
حجم الخط:

هذه المادة منشورة بالتعاون بين شبكة الصحفيين الكُرد السوريين (SKJN) وشبكة آسو الإخبارية في برنامج تعاون ضمن مشروع إعلام يجمعنا، حول” تعزيز دور الإعلام في محاربة الإستقطاب وخطاب الكراهية من أجل مجتمع متماسك”.

زيلان خليل علي
يُقال لك منذ نعومة أظفارك أن “فلانً أفضل منك”، وأنت لا تعلم حتى ماهية المزايا التي تُعير بها، فتكره فلاناً فقط لأنه أفضل منك في عيني من تحبهم، في نفس الوقت يعلّم الأب ابنه كيف يضرب أخيه الأكبر أو الأصغر بمبدأ أنت أقوى منه أو العكس، كما يتعلم المرء في كثير من العائلات كيف يكره أعمامه أو أخواله، كل ذلك دون أن تُجبر جسدياً ولكن بفعل عامل نفسي ممزوج بخطاب يظهر لك أنه سلمي من وجهة نظر قائله إنه، “خطاب الكراهية”. 

 ومع بدأنا من اللبنة الأولى للعائلة، لا شك أنه أصبح بإمكاننا أن نتصور الوضع العام للمجتمع الشّرق أوسطي، الذي يعلمك كيف تكره من لا يشبهك أو يختلف عنك حتى في الآراء عن طريق الكلمات، والتي تنقلها بدورك للأجيال القادمة، وهنا حقاً يظهر مدى قوة وتأثير “الكلمة”. 

هناك حكمة تقول “الحب لا يجمع الناس كما تجمعهم الكراهية”، وذلك نوعاً ما هو الدارج في مجتمعاتنا، ولا سيما في سوريا، فلو فتحت جريدة إلكترونية أو موقعاً اخبارياً أو حتى صفحة ما أو قناةً ما، ستجدها مشبعةً بخطاب يحض على كره وقذف أشخاصِ آخرين، لجذب الناس إلى المصلحة الخاصة التي تروج لها تلك الوسيلة. 

فعلى سبيل المثال في سوريا تروج القنوات التابعة للمعارضة لكره الحكومة السورية واعتبارها ظالمة وقامعة، وكذلك تفعل القنوات التابعة للحكومة السورية، وحتى القنوات التابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، كلٌ يحض على الآخر عن طريق مجموعة من الكلمات المنمقة والأدلة والبراهين التي تحصل عليها عن طريق انتظار زلة الآخر، ولكن الكل على حدى يجتمع عند المصلحة الشخصية له، فكل قناة تروج لشيء ما، تجد أن لها أنصارها المؤمنين بخطابها وشعاراتها وحتى موادها، بالرّغم من نقص الأدلة في كثير من الأحيان. 

وعلى ما يبدو أن الإعلام لم يكن منشأ لخطاب الكراهية، ولكنه روج له بشكل أو بآخر وساهم بتمكينه في مناطقنا، إما لتحقيق مكاسب اقتصادية أو قومية، أو حتى للوصول إلى هدف أو غاية معينة ولربما يكون من يمارس هذا الخطاب يمارسه عن جهل، ولكن ما هو واضح انعكاس ذلك بشكل سلبي على أبناء مجتمعاتنا. 

وفي محاولة لمواجهة خطاب الكراهية عملت دول عدة، على بناء خطاب مضاد لخطاب الكراهية مبني على الوعي والمعرفة وبناء بيئة مواتية لحرية التعبير وغير ذلك، إلا أن هذه المحاولات وإن خففت من حدتها فإنها لم تتمكن من القضاء عليه، وخير دليل على ذلك ما يحدث وحدث في روسيا وأوكرانيا، والذي بدأ بخطاب إعلامي يحرض على الحرب، الأمر الذي أعتبره الكثير من السياسيون خطة واضحة. 

وبالنسبة لسوريا والسوريين، فإن خطاب الكراهية المشبع بالعنصرية يتضح جلياً عبر المنصات الإعلامية، وكان آخرها ما قالته الإعلامية اللبنانية أو اعلامية الشوكولامو نضال الأحمدية، عنهم من خلال لقاء إذاعي لها، واتهامها الصّريح للسّوريين بالجّهل والتّخلف، لأن بيننا وبينها اختلاف ثقافات على حد تعبيرها. 

وأني أرى بوضوح أنه كان لصفحات الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي دور كبير في انتشار خطاب الكراهية، فمع سهولة التعليق أو النشر وعدم وجود معايير لمراقبة موضوع خطاب الكراهية في الفضاء الإلكتروني، يصبح من السهل نشر أي إشاعة تحرض فئة على أخرى عبر أسماء ومعلومات وحسابات وهمية، ولكن يبقى السؤال هل يحق لنا أن نقيد مساحة حرية التعبير الوحيدة التي يتنفس بها السوريون عن ما يجول في أنفسهم، لذا ربما لا تكون مراقبة الحسابات ووضع المعايير هي الحل الجذري للمشكلة، لأنه ربما سيكون لها تبعات أخرى. 

كما وأسهمت قلة الوعي والعنصرية والمشكلات العالقة من دون حلول منذ سنوات، لزيادة وتيرة خطاب الكراهية، لأنه وببساطة مع بدء الأزمة السورية، ظهر ما كان يختلج في النفوس على السطح، وبعد أن كانت الضغائن تقبع في الظل، فهي الآن رأت الشمس، وتحولت إلى كلمات يتم التعبير بها بدون معايير أو مراعاة للأطراف الأخرى، مما يدل أن الناس كانوا يخشون السلطة الحاكمة ولا يحكمون الضمائر في أفعالهم. 

ولم يسلم الرجل والمرأة من خطاب الكراهية، إذ ظهرت إعلاميات في برامج بأسماء مختلفة، منهن من تحرض الرجال على النساء وأخريات يحرضن النساء على الرجال، بحجة “تعمير البيوت والمنازل” عبر تقديم نصائح عدة ربما يكون منها ما هو خيالي وغير قابل للتطبيق بحكم طبيعة البشر، ولكن كله في سبيل “الترند”، مع عدم مراعاة أن ذلك أحدث ضغائن غير مبررة بين الطرفين، وتسبب في اتهام الطرف الآخر بعدم المراعاة. 

هناك الكثير من الأمثلة عن خطاب الكراهية والواقع أنني لو أردت أن أكتب عنها من خلال هذا المقال لأضحى بحثاً أو مجلداً، لكنني هنا أرغب في أن أطرح السؤال، من المستفيد من خطاب الكراهية؟

يستفيد منه من ينفذه ويروج له، لا من يتلقاه بكل تأكيد، فلا فائدة من كره شخص آخر لمجرد اختلافه عنك، بأفكاره ومعتقداته وتوجهاته السياسية والعسكرية، وإني أرى أن المتضرر الأكبر منه هو الشبان اللذين ينقادون خلفه ولا سيما المراهقين، الذين يكونون الأكثر تأثراً من تبعاته على المدى البعيد. 

في الواقع، يتسم البعض من إعلامنا الكريم بعدم المصداقية والديمقراطية وينحاز في كثير من الأحيان، الأمر الذي جعله يخرج عن كونه إعلاماً مهنياً قادراً على نقل الحدث دون تحريفه، كونه مشبعاً بنقل خطاب مؤذِ، ربما يؤجج الوضع بدل أن يضع الحل وينقل الخبر بشكل سليم أو ينقل الحدث الحقيقي والمراد التركيز عليه دون الإنحياز لمصلحة أي جهة. 

وما يزال خطاب الكراهية ينتشر كالنار في الهشيم ليحرق وحدة وتماسك المجتمع الواحد ويجعله هشاً سهل الإنسياق وراء الأفكار الدخيلة والفتن المنتشرة. 

وما تزال قدراتنا على قمعه أمراً غير مُسلم به، لأننا نفتقر إلى بلد مستقر، الأمر الذي سيساعد في زيادة الوعي، ونفتقر إلى مساحة حرية الرأي، الأمر الذي من شأنه أن يجعلنا نصمت ونكذب حتى نصدق كذباتنا ونتقوقع نائين بأنفسنا عن كل من يخالفنا ويحاول شتمنا، مبقين الأمر معلقاً ومنتشراً حتى يصدق ذلك الخطاب. 

*الصورة من النت