Connect with us

مدونة آسو

ثقافة الجهل والتجهيل توّلد الكراهية المجتمعية

نشر

قبل

-
حجم الخط:

هذه المادة منشورة بالتعاون بين شبكة الصحفيين الكُرد السوريين (SKJN) وشبكة آسو الإخبارية في برنامج تعاون ضمن مشروع إعلام يجمعنا، حول” تعزيز دور الإعلام في محاربة الإستقطاب وخطاب الكراهية من أجل مجتمع متماسك”.

عزالدين ملا

حتى الآن معظم الناس في منطقة الشرق الأوسط عامة وسوريا على وجه الخصوص، لا يعلمون إلى أي حد، أن ألفاظهم وكلماتهم التي تخرج من فاههم أكثرها تدخل في خندق خطاب الكراهية، يأتي أحدنا ويقول، كيف؟، للخوض في غمار هذا الموضوع الشائك، والذي يبدأ من الشخص نفسه ومن ثمّ الأسرة الواحدة وبعدها المدرسة والحي والحركات السياسية والمجتمع ككل.

للخوض في موضوع خطاب الكراهية نبدأ بقصة اسطورية، تقول القصة: أن احد الشياطين أراد ان يختبر تلاميذه الصغار في خلق الدسائس والفتن بين الناس وكيفية الوسوسة، وتوجهوا إلى قرية هادئة مسالمة يحبون بعضهم ويتعاونون في كل شيء، وقال الشيطان الكبير لاحد تلاميذه الشيطان الصغير، اذهب وأرنا ماذا تعلمت من دروسي، ذهب الشيطان الصغير ودار حول القرية عدة مرات، فوجد بقرة مربوطة بجانب أحد المنازل، فما كان منه إلا وفك رباط البقرة وتركها، فدخلت البقرة في بستانٍ قريب، وما كان من صاحب البستان الذي لم يحتمل غضبه ذلك، إلا قام وضرب البقرة وكانت الضربة قاتلة فماتت. وهكذا حدثت بلبلة بين ساكني القرية والتي تحولت إلى صراعات ومنازعات أحدثت فوضى وعدم الاستقرار، وعندما عاد الشيطان الصغير سأله الشيطان الكبير ماذا فعلت حتى أحدثت كل هذه الضجة والصراع، قال الشيطان الصغير لم أفعل شيئا سوى فك رباط البقرة.

وهكذا يكون خطاب الكراهية، عند إلقاء الكلمات دون دراسة أبعادها الكارثية سيحدث شرخا وانقساما ضمن الأسرة الواحدة والمجتمع الواحد، وهذا ما حصل ويحصل في سوريا من فوضى وانقسامات نتيجة السياسات البينية والتصريحات الإعلامية غير المدروسة وغير المسؤولة من قبل المسؤولين والقيادات من كافة الأطراف السورية وكذلك المصطلحات التي تلقى في المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة ووسائل التواصل الاجتماعي هكذا دون إدراك أبعادها الكارثية وتداعياتها على مستقبل المجتمع السوري عامة.

سنبدأ من العنوان العام لسوريا، الجمهورية العربية السورية، عندما تتغنى سوريا بتنوعها ويتغنى السوريون بأطيافهم وقومياتهم وأديانهم المتنوعة، هذا يعني أن سوريا جميلة بذلك التنوع، ولكن أن يتمسك طيف واحد أو قومية واحدة بذكر اسم سوريا تحت يافطتها، هذا يعني الإقصاء والتهميش لباقي الأطياف والقوميات، وهذا يدخلها ضمن خطاب الكراهية، لأن التهميش والإقصاء والتمييز من أكثر صفات الكراهية سوءا، بما أن سوريا جميلة بكوردها وعربها وآشورها وسريانها ودروزها وايزيدييها، هذا يعني بإزالة كلمة العربية من اليافطة السورية يتم المحافظة على جماليتها، ان ذلك ليس انتقاصا من القومية العربية بل تزيدها قوة وروعة.

ثم ننتقل إلى الاتهامات التي تلقى من جميع الأطراف جزافا دون مسؤولية ضد من يخالفهم بالعمالة والخيانة هكذا دون أدلة يعمق خطاب الكراهية، كما ويوجه سهام الكراهية إلى مهنة الإعلام أيضاً عندما يدخل الإعلام في مستنقع خطاب الكراهية وتداوله لتلك الألفاظ دون صحة المصدر أو على لسان فلان أو علان من الشخصيات التي من الممكن تكون غايته التشويه والتوريط، فيكون الإعلام قد تورط فيها إن كان بغير قصد فهذه مصيبة وأمَّا إذا كان عن قصد فتلك مصيبة عظمى، ويُحدِث حالة من الاشمئزاز ضمن الفئات المجتمع نحو الوسائل الإعلامية، وفي كثير من الأحيان يدفع بالكثيرين من المجتمع السوري الابتعاد عن الفيسبوك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى في كثير من الأحيان يبتعدون عن معظم القنوات التلفزيونية لِما أحدثته من حالة عدم الرضى مما يتم نشره من محتوى. فالمفردات والمصطلحات كـ المرتزقة والخيانة والعمالة باتت تمثل قاموسًا تنبني عليها الخطاب العنفي ضد شخصيات سياسية أو إعلامية أو قيادية وحتى شخصيات عامة وشعبية لغاية اسقاطهم من عيون الشعب وعن دورهم ومكانتهم للمضي قدما في قضايا المجتمع والوطن، طبعا هذا الفعل يحدث عن دراية وغايات مبيّتة مدروسة لإحداث شرخ بين المجتمع وهذه الشخصيات لتمييع قضية الشعب السوري الرئيسية والإبقاء على حالة الفوضى لسهولة السيطرة والنهب. كما فعله الشيطان الصغير بفكه لرباط البقرة، يقول وكأنه لم يفعل شيئاً، هكذا هو العبارات التي تنطلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقول أحدهم لم أقُل شيئاً وإنما فلان قال أو أخذته من المكان الفلاني، لهذا نسمع أو نرى كثيرا على الإعلام وبشكل كبير جداً على وسائل التواصل الاجتماعي عبارات ومصطلحات تطلق بقصد الكراهية والتهكم والتحقير ضد مجموعات اجتماعية ودينية وعرقية وقومية بالعموم، دون الإدراك في بُعدها الكارثي الذي يترتب في تراكماتها السيئة مستقبلاً.
ولهذا علينا التركيز على العبارات والمصطلحات التي تتناول دعوات لـ القتل والعنف والانتقام والإقصاء والتحقير والتمييز والسب والشتم والعمالة والخيانة التي نجدها في صلب خطاب الكراهية بما ينتجه من ردود أفعال عنيفة تؤدي إلى الفعل المادي العنفي المباشر.

تزامنت هذه المصطلحات مع الأزمة السياسية التي عصفت وتعصف بالبلاد، ونتيجة الممارسة في استخدام هذه العبارات حتى أصبحت جزءً من اللغة والثقافة لدى البعض. وتصبح تلك المنشورات التي هي عبارات الكراهية تلقى تفاعلات كبير على مواقع التواصل الاجتماعي ويتم إعادة نشره التي غالبا ما تكون ساحة للنقاش العنيف بين المتابعين.

اهمال معالجة مشكلة ما، يؤثر على تصرفات الناس
عند اهمال مشكلة ما وإن كانت صغيرة سيؤدي إلى تراكمات تكون عواقبها وخيمة على البيئة الاجتماعية، وهذه المشاكل النفسية كانت محل اهتمام العلماء، كما النظرية النافذة المكسورة لـ عالم النفس والاجتماع فيليب زمباردو والتي تعد من أشهر التجارب في دراسات العلوم الاجتماعية، فقد قام زمباردو بكسر إحدى نوافذ السيارة وركنها في أحد الأحياء، فبدأ الناس بكسر المزيد من النوافذ وسرقة السيارة وتحويل السيارة بالكامل إلى خردة في بضعة أيام، تُعبّر النظرية إلى أن إهمال معالجة أي مشكلة في بيئةٍ ما – بغض النظر عن صغر حجمها – سيؤثر على مواقف الناس وتصرفاتهم تجاه تلك البيئة بشكلٍ سلبي مما يؤدي إلى مشاكل أكثر وأكبر، والعكس صحيح أيضاً، فمعالجة المشاكل الصغيرة في وقت سريع سيؤدي إلى بيئةٍ أفضل وسلوكٍ أحسن.

وعليه، يتطلب التركيز على هذه المصطلحات الدالَّ على الكراهية، ونبحث عن جذورها التي تستمد قوتها وانتشارها- إما أن تكون أحكاما وفتاوى فقهية دينية متطرفة كما رأينا ولاحظنا خلال سيطرة داعش على مناطق واسعة من سوريا والعراق والمجازر المروعة التي لحقت بالإيزيديين، أو أحكامًا وأفكارًا عنصرية وتعصبية والتي تخرج من الجهات السورية المتعددة ضد الأقليات أو المكونات التي تتمتع بها المجتمع السوري- نتيجة تبنيها شخصيات سياسية عبر منابر إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي والانترنيت. هذه العبارات باتت تمثل قاموسا في نقاشات العامة على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن ثم يأتي الأفراد والمجموعات بإعادة تدوير هذه العبارات عبر منشوراتهم ضمن صفحات حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو لفظية عبر نقاشات مرئية أو مسموعة.
وفي الوقت نفسه، يستخدم البعض حقه في حرية التعبير للترويج لمعلومات خاطئة حول مجموعة ما لإحداث سوء تفاهم وعدم الثقة، وذلك من شأنه أن يؤدي إلى التمييز والعنف. وقد يحصد هذا الخطاب للأسف شعبية كبيرة.

خطاب الكراهية واسباب تعمّقها
سوريا خلال سنوات الأزمة شهدت مذابح مروعة ومجازر طائفية متعددة، استخدم الرئيس النظام السوري بشار الاسد ورموزه كلمات الجراثيم والمندسين والمخربين في وصف المعارضة. وفي المقابل أيضا استخدم رئيس الائتلاف السوري المعارض اسعد الزعبي ورموزه في وصف الكُرد بالحشرات والعملاء والخونة لتجييش السوريين ضدهم وخلق حالة من الكره والاحتقان بين الكُرد والأطياف السورية.

كان لوسائل الإعلام للنظام والمعارضة بأنواعها دور كبير في ترسيخ هذه المصطلحات والتي أججت من الوضع هو شخصيات فيسبوكية وبعض الصحفيين والإعلاميين الذين روجوا لهذه المصطلحات.
إن أحد العوامل التي ساهمت في هذا الخطاب كانت الوسائل الإعلامية بتفرعاتها المرئية والمسموعة والمقروءة نتيجة تهافت الشباب والشابات بشكل كبير على مهنة الصحافة لغاية العمل فقط دون الخوض في التدريبات المهنية والأخلاقية التي هي في الاساس أي الإعلام أنها رسالة وليست غاية، علينا التفريق بين الرسالة والغاية، فالمؤسسات الإعلامية العاملة في مناطقنا ركزت على دعم الإعلاميين والصحفيين في توفير الدعم المادي دون الدعم المهني في تعزيز الخبرات المطلوبة في العمل الصحفي وعدم تجاوز أخلاقيات المهنة والعمل دون استغلاله ليكون منبرا لخطاب الكراهية.

ومن اسباب الكراهية أيضاً الجهل وقلة الفهم. لذا نحن بحاجة إلى تدابير عديدة كتعليم أفضل ومساحات لنقاش مفتوح ومتين، فضلاً عن إعلام يتسم بالتنوع والتعددية ويعطي تمثيلاً أفضل لجميع التيارات والأطياف المجتمعية وخاصة الذين يتعرضون للتهميش. والعمل على توعية المواطنين ليدركوا مدى قدرة السياسيين في استخدام الكراهية لتقسيم المجتمع، والعمل على تعزيز القدرة على التحمل والاعتراض والمواجهة.

بعض معايير السلامة والمتداولة كـ صحفي
في البداية العمل على تقييم أهمية الخبر إزاء التحريض المحتمل على العنف الذي قد ينطوي عليه، والمحاولة على كتابة الأخبار من زاوية يؤدي إلى الترويج للسلم المجتمعي وحمايته، وعدم نشر أي محتوى يحث على التعصب والعنصرية والتهميش التعذيب والمعاناة وغيرها من مصطلحات الكراهية، ومعرفة السياق من أجل تمييز الأجندات وتفادي الانجرار وراء الشعارات الوطنية ذات الأهداف التمييزية الخفية، وعدم استخدم الأمور الخلافية والإثارة لمجرد زيادة المشاهدات والتعليقات.

المؤسسات والمنظمات الإعلامية وآليات تخفيف خطاب الكراهية
يقع على عاتق النقابات والاتحادات والشبكات الإعلامية والمجتمعية في تخفيف هذه الظاهرة السلبية، وبما أن المبادرة تبدأ من شبكة الصحفيين الكُرد السوريين ومركز آسو للدراسات، هم أيضاً معنيين بتوجيه المؤسسات العاملة في المنطقة إلى محاربة خطاب الكراهية، ويبدأ ذلك بالتثقيف والوعي، وذلك عن طريق، تنظيم محاضرات وورشات عمل لتدريب الشباب والشابات حول قضايا تنمية ثقافة التسامح وقبول الآخر والمخاطر الكامنة وراء ازدياد خطاب الكراهية وانعكاساته على السلم والأمن المجتمعيين، والعمل على توجيههم في التمييز بين خطاب الكراهية والرأي. والقيام بحملات توعية لتحذير وتنبيه الصحفيين والإعلاميين بخطورة مثل هكذا مصطلحات على المجتمع لأنها تشجع على العنصرية. والدفع بالوسائل الإعلامية إلى صياغة ميثاق للصحفيين مع آليات تطبيق محددة لتفادي خطاب الكراهية. والعمل على تدريب العاملين في الإعلام على منهجية وآليات لرصد خطاب الكراهية وتفاديه ومكافحته. والتشجيع على مبادرات التواصل بين مختلف الأطياف وتبادل التجارب والأفكار، إن المجتمعات المتكاتفة للجميع والمرحبة بالنقاش تمتلك قدرة أكبر على مقاومة خطاب الكراهية.

الصورة من النت